رب صدفة خير من الف ميعاد

 

رب صدفــــه خير من الف ميعاد

بعد حديث طويل ، احبطنى وذكرنى بأسرتى وما اقاسيه منهم غادر خالد العمل مبكراً ، اما بيتر وحسام زملاء العمل فقد قرروا الذهاب لمطعم فاخر للغداء ، اعتادوا ان يذهبوا من حين لاخر للغذاء والتنزه معاً ولكنى لا استطيع ان اجاريهم ، انا مجرد عامل ارد على التليفون لايمكننى دفع ثمن الغذاء فى مكان كهذا ، فأنا مكبل بالكثير من المسئوليات ، ولن اقبل ان يمن احدهم على بثمن الغذاء لذلك فلن اذهب ، أصبحت لا اقبل الاحسان بعد ان من الله على بنعمة العمل ، مبالغ زهيدة ولكنها تشعرنى بالكرامة والعزة ، هذا هو الجانب الاخر من الرزق فليس الرزق هو المال فقط ، وقد سمعت المثقفون يقولون ان المال هو اقل درجات الرزق ، ولكن هناك حلقه مفقودة تجعلنى لا استطيع استكمال حياتى كالباقين ، ربما استطيع حل هذا اللغز فى المستقبل ، وعندما جاء موعد الانصراف من العمل ، رشحوا لى احد الموظفين يمكنه ان يسحبنى الى محطة المترو ، وبعد ........... ربنا معايا .

مددت عصاى الى الامام لاتحسس بها الطريق بعد ان تركنى الموظف على باب عربة المترو ، دفعنى الركاب دفعاً الى الداخل ، دخلت العربه ، واجلسونى فى مقاعد المكفوفين ، وقفت الى جوارى سيدة ، نعم سيده فأصوات الاسوار والحلى المعدنيه ترن من حين لآخر ، يبدو انها تحمل منهم الكثير ، يبدو انها تهتم بالزينه والاناقة فرائحة العطر المنبعثة منها تؤكد ذلك.

كانت العربة مزدحمه وكانت تقترب منى بعض الشئ كلما توقفت العربة او تحركت ، حتى ميزت صوتها ورائحتها ، سألت عن محطة المعصرة وعندما وقفت وتوجهت الى الباب للنزول كانت نفس الرائحه ونفس رنين الاساور يصاحبنى ، تمهلت فى مشيتى فوجتها اسرعت وامسكت العصا التى اهتدى بها الى طريقى ، اصطبحتنى الى السلم الكهربائى ونزلنا ، شكرتها وهممت بالرحيل فسمعت صوتاً اخر يعرض على ورقة فتحسستها بيدى ، نعم اعرفها انها مكتوبة بشفرة برايل ، فرحت كاننى وجدت احداً من اهلى او اصحابى المقربين ، اخذتها ووضعت يدى فى جيبى واخرجت منها عمله معدنيه واعطيتها لصاحبة الورقة وغادرت ، وسريعاً احسست بورقة اخرى تندس فى بين اصابعى ، لم اقاوم ايضاُ اخذتها ولكن هذه المره هى ليست مكتوبة بشفرة برايل وليست نقود فقد سئمت الاحساس بالعطف من الناس نحو رجل كفيف لكن شئ بداخلى هدانى الى ان هذه الورقة افضل من النقود . يبدو ان الوحدة التى احسست بها فى ذلك اليوم بالذات هى ما دفعتنى لآن احتفظ برقم التليفون ، صعدت الدرج حتى بلغت الطريق العام ، ترقبت صوت المنادى ينادى الركاب الى حيث اسكن ، مشيت حتى ازادد الصوت اقترباً ورنين ، سألنى المنادى : هتركب ياأستاذ؟

طأطأت رأسى بالايجاب ، اخذ يدى وساعدنى حتى صعدت الى الميكروباس ، استويت فى مقعدى ، احسست بنحنحة رجل خشن الصوت بجوارى ، طلبت منه ان يقرأ لى المكتوب فى الورقة فاخبرنى انه رقم تليفون طلبت منه ان يسجله لى على هاتفى النقال ، ففعل واكد لى انه سجله باسم " 1 " كان لابد من الحرص فى كتابة اسم سيده على هاتفى فهو متاح لكل مبصر وممنوع على انا وحدى ، وبعد أذان العشاء خرجت الى الشارع اتحسس احد الاطفال ليطلب لى الرقم ، كررت الاتصال مرة ومرة فلم ترد ، ترى ماذا حدث ولماذا اعطتنى رقمها إذن ؟ .

وفى الصباح واثناء تواجدى بالعمل كررت الاتصال فأجابت كانت الظروف غير مواتيه لسرد الحكايات ولكننى بادرت بسؤالها عن اسمها فأجابت ووعدت بان تنتظرنى فى نفس محطة المترو بعد موعد عملى .

طويت اليوم فى لهفة وغادرت العمل بصحبة اصدقائى كالمعتاد وركبت الى محطة المعصرة وهناك حاولت الهروب من اصدقائى واختلاق الاعزار لأهرب دون ان يشعر احد ان وراء هروبى انثى .

سناء كم احتاج الى وجودك ، حاولت ان اصرح لها بكلماتى ولكنى لسانى تلكأ ، قد اكون محتاج الى بعض الوقت لآعرفها اكثر

سناء : انا ارملة من ثلاث سنين ، كان عندى ولد و مات ، وعايشه لوحدى

سالتها : وليه سيبتيلى رقمك .

سناء : تبتسم ، مش عارفة ، حسيت انى اعرفك من زمان.

اجبت (انا) : انا متشكر

سناء على ايه ؟

اجبت (انا)  : مش عارف ، وابتسمنا وتوالى الحديث.

مرت ايام وشهور ونحن نتحدث ، كان لدينا مخزون هائل من الحكايات ، عائلتى وعائلتها ، جيرانى وجيرانها ، اصدقائى و ................. لم تتحدث عن صديقات ، قدرت هذا واحترمته وواظبنا على الكلام لفترة ، حتى صارحتنى بأنها كانت تعمل بالليل وتعود من عملها بعد بزوغ الشمس ، وان جيرانها كانوا يبتعدون عنها كلما حاولت الاقتراب ، لآن عملها غير مشروع ويثير اشمئزاز الكثيرين ، هى لم تبوح بسرها لآحد ولكن هناك شواهد اشارت الى ذلك واوحت به ، وبعد وفاة ابنها قررت ان تصون نفسها وتلزم بيتها ، فلم يعد هناك ما يدعو للعمل ، ولم يعد هناك مايدعو للحياه اصلاً ، قررت ان تكتفى بمعاش زوجها ولكن الناس مازالوا يبتعدون عنها ، وهى لم تعد تبالى .

سألتنى ان كان من الممكن ان ابتعد عنها انا ايضاً ، ترددت ، لايمكننى ان استمر فى علاقتى بها ، ايضا لايمكن ان ارميها برد قاسى ، لايمكن ان اصارحها عن نيتى فى هجرها ولكن شئ بداخلى جعلنى اشفق عليها فقلت : " ماتخافيش مش هسيبك ، تصبحى على خير " ، اغلقت التليفون وبقيت طوال الليل افكر ، عدت الى عملى فى اليوم التالى ولم اتحدث اليها ، عدت الى المنزل وتحدثت مع اخى عن عزمى فى الزواج بأحدى البنات ، سالنى اين عرفتها فأجبت فى عربة المترو ، بس هى مؤدبه جداً وطيبه ، وموافقه بالزواج منى على وضعى ، قفز من مكانه وكأن عقرب لدغه ، كل هذا لآننى عرفتها فى عربة المترو ، ماذا لو علم تفاصيل اكثر عن حياتها ؟

دخلت زوجة اخى على صوت الشجار بيننا ، سألت ما المشكلة ، فأجبت : مفيش حاجة.

سالتنى : عارف انا واخوك اتعرفنا ازاى ؟

اجابت : لا مش فاكر كنت صغير .

زوجة اخى : فى القطار ، كننا مسافرين الصعيد وكانت محفظتى مسروقه وماقدرتش ادفع ثمن التذكرة ، اخوك كان قاعد جنبى ، طلع الفلوس من جيبه ودفع لى ثمن التذكرة ولما نزلنا بالصدفه فى محطة واحده ، نزل ورايا وطلب منى انه يوصلنى لحد البيت عشان يدفعلى اجرة الميكروباس ، بس محدش يعرف الحكاية دى هى فى البيت ، هما فاكرين انى انا اخت صاحبه فى الشغل .

انا : ليه كل اللى حصل ده مش عيب .

زوجة اخى : فيه حكايات وذكريات لازم الانسان يحتفظ بيها لنفسه عشان محدش يفسد متعتها.

انا ( فى نفسى ) : تمام .

مرت ايام حتى اشتقت الى سماع صوتها ، قاومت ، وطلبت من خالد صديقى ان يأخذنى الى حيث كنا نسكن قديماً " الى حيث تقيم هبه " ، مشينا فى الشارع حتى سمعت اصوات قدم تقترب منى قائله : إزيك ياكمال 

هبه : انت رجعت تسكن هنا ؟

أنا : لا ، انا بس كنت جاى ازور ناس صحابى .

هبه : اه ..... تمام ، طيب تامر بحاجة ؟

أنا : لا شكراً .

نظرت الى خالد انتظر رايه فقال : هى جميله ، بس مش مناسبه

أنا : مش مناسبه لواحد اعمى . صح ؟

خالد : على فكرة فى ايدها اليمين دبله

انصرف خالد وقد قتل الامل بداخلى ، وفهمت انه لابد ان اقطع الامل وابحث عن حظى مع من يريدنى كما انا ، وقفت فى الهواء الطلق ، اعُد النجوم كعادة كل العشاق حتى سمعت صوت جرس التليفون ، نعم هى تتصل . احسست بذلك قبل ان ارد.

هى : صباح الخير ، شكراً لآنك رديت

أنا : صباح الخير ، انا عاوز اشوفك

هى : تشوفنى ،

أنا : قصدى اقابلك ، فى المحطة زى كل مرة .

هى : انا مش عاوزة افرض نفسى عليك ، انا عارفة ان من حقك تكرهنى .

انا : مفيش داعى للكلام ده ، اوعدينى انك تتغيرى .

هى : انا فعلاً اتغييرت ، والله العظيم اتغيرت ، ورحمة ابنى اتغيرت 

انا : خلاص ، خلاص ماتبكيش ، نتكلم لما نتقابل ، اقفلى دلوقتى عشان عندى شغل .

التقينا بعد موعد العمل ، كانت مكسورة ، صوتها محشور ممتلئ بالدموع ، بادرت بالسلام وقلت : ممكن اجى ازورك فى البيت؟

اجابت : لا مش هينفع ، انا مش عاوزة حد من الجيران يبصلى بعين كره ، امبارح اتصاحبت على جارة من الجيران ، لآول مرة حد يكلمنى من زمن .

انا : انت طيبه قوى ، انا اسف ماقصدتش اللى دار فى خيالك ، ان شاء الله ربنا هيديكى على قد نيتك .

هى : هاشوفك تانى ؟

انا ( بإبتسامة ) : اكيد ، هنتقابل كل اسبوع زى ما تعودنا .

ومر حوالى عام لم نتوقف عن اللقاء ، حتى سألنى اخى : انت مش كنت بتفكر فى الجواز ؟

انا : خلاص انا صرفت نظر ، انا كفيف مااقدرش اشيل مسئولية بيت .

انصرف اخى فى صمت ، يبدو انه لم يقتنع بكلامى ، فؤجئت بأمى تفاتحنى فى فكرة الزواج وترشح لى احد بنات الحارة ولكنها لم تذكر اسمها ، سألتها من هى ؟  فلم تجيب وقالت :"المهم انك توافق على المبدأ ، سيبنى اختار انا عروستك " رفضت وقلت انا صحيح اعمى ، بس دى حياتى ثم تركتها وانصرفت

ردت امى بعنف وبصوت مرتفع اخترق سكون الليل: وانا مش هااسيب واحدة م الشارع تضحك عليك .

فى الصباح جلست الى جوار اختى زينب وهى تتناول الافطار ، كانت منهمكة فى تناول الساندويتش وكأنها تهرب من الحديث معى ، فاتحتها فى الموضوع فقالت : انا ماعرفش حاجة عن الموضوع ده ، هو انت عاوز تتجوز ؟

يبدو انهم قد بيتوا النيه وقرروا تحطيم احلامى ومشاعرى ، حتى اختى الحنونه ساعدتهم ولو حتى بالسكوت عن الحق ، يبدو ان الامور اختلطت عليها فهى لاتعرف سناء ولاتعرف كم هى رقيقة وتستحق حياة كريمة ، ولكنى التمست العذر لاختى فهى لاحول بها ولاقوة ، تعمل طوال اليوم فى محل مقابل زهيد وعندما يعود ابى من عمله ياخذ منها راتبها بحجة انه يدخره لجهازها ، وبعد سنوات طويلة من العمل لايمكنها شراء فستان لنفسها دون استئذان ابيها وامها ، سألتها : انتى معالكى فلوس اد ايه دلوقتى ؟

زينب : مش عارفة ، الفلوس اللى كنت محوشاهم اخدتهم امى وقالت انها هتعطيهم لنبيل اخوك على سبيل السلفه عشان مصاريف جوازه .

أنا : وبعدين ، اخوكى متجوز من سنتين ، لكن امك رجعت الفلوس ؟

زينب : مش عارفه ، من حوالى شهر سألتها عليهم فصرخت فى وشى ، وابوك كمان زعقلى بصراحة خُفت وقررت ماسالش عليهم تانى .

وضعت يدى على كتفها فى حنان وقولت : ربنا يقويكى.

بعد ايام رن تليفونى فى وقت متاخر من الليل ، سمعتها تبكى ، لم افهم فى بائ الامر

انا : اهدى انا مش فاهم حاجة

سناء : الحقنى انا فى قسم الشرطة

انا : ليه قسم الشرطة ؟

سناء : مش عارفة ، الحقنى

انا : ماتخافيش انا جاى

اتصلت بخالد صديقى ، وطلبت منه المساعدة ، وافق على الفور وعندما ذهبنا ، حاولنا معرفة الحكاية " خناقة عادية بينها وبين جارتها ، بس المشكله ان جارتها كان معاها اكثر من واحدة ست ، جرجروها لشقة جارتها واتهموها بالسرقة وبلغوا البوليس وطبعاً ضربوها .

حكاية ملفقة واضحة وضوح الشمس ، خالد كمان اكد ان فيه تواطئ ، وطلب محامى من طرفه عشان يخرجها ، حررنا محضر واثبتنا اعتدائهم عليها بالضرب ، واثبتنا ان المسروقات حاجات تقيله مش ممكن انها تخبيها فى جيبها مثلاً وهى خارجة ، ادوات مطبخ وملابس وخلافه ، يبدو انهم لايمتلكون شيئاً ثمينا فى شقتهم ، أثبتا ايضاً انهم جيران من واقع العنوان المثبت فى البطاقة ، خرجت بكفالة بسيطة دفعها خالد ووعدته برد المبلغ اليه ، عندها بكت سناء كثيرا وانهارت واقسمت ان كل هذا افتراء عليها وانهم استدرجوها لشقتهم كى ينفذوا مخططهم ، وضعت يدى على كتف خالد كى استشعر رأيه فوجدته يواقفنى الاحساس ، غريبه مفارقات هذه الحياة ، صديقى يساعدنى واخى يقف عقبة فى طريقى ؟

كان الوقت قد حان لآحسم الامر طلبت ان اعقد قرانى عليها لآرد لها كرامتها ، موقف فى منتهــــى

القسوة ، بدلاً من اصوات الزغاريد وضجيج الغناء بالصالات المرصعه بالأضواء والشموع ، احاط

بنا المخبرون والعساكر وأظلمت بنا الطرقات وارتدت يداها الكلبشات الحديدية بدلاً من الاساور

الذهبية ، تزوجت منها وعقدت قرانى خلف القضبان ، رضيت بهذا المصير لأبنائى وبناتى ، حاولت

أن افعل شئ مختلف ، ان اقدم معروفاً يحسب لى ، لترضى نفسى عن نفسى ربما لانى بداخلى قناعة

ان الاشخاص الطبيعيون لن يقبلونى على حالى ، واننى لابد ان اقدم شيئا ما لشريكة حياتى ، شيئا

لايستطيع غيرى فعله ، وان لم افعل فلماذا ترضى بى وانا ضرير ، قدمت لها الصفح والغفران ,

وحياة خالية من الخوف والقلق.


الفصل الخامس : ليلة العمر


تعليقات

المشاركات الشائعة