فتاة الاحلام
فتاة الاحلام
لم اكن قادرا على ان ابوح بحبى ، فالكلمات لا تسعفنى ،
والمفردات الرقيقة ليس لها مكان فى قاموسى اللغوى ، وبالطبع لايمكننى ان اعدها
بنجوم السماء ولا بالعش الهادئ ، وغالباً لست بفتى الاحلام الذى يمكنه ان يمتطى
الجواد الابيض ذو الذيل الطويل والشعر الكثيف ، انا مجرد شخص جهول امى يفتقر الى
كل علامات الوسامة ، لا اجيد اختيار الوان ملابسى ، ولا تهذيب ذقنى وشاربى ، ارضى
بما يجود به على الاخرون . خسرت سنوات ليست بقليله من حياتى وانا مستمتع بالكسل
حتى تعلمت قيمة التعب ولذة العرق ولكن هل فى الامكان افضل مما كان ؟ هل هناك امل ؟
طلبت منها ان ترشدنى الى طريق احد المدرسين المتخصصين
لتعليم المكفوفين ، وقتها اجتهدت واختارت لى احدهم واصطحبتنى الى هناك ، فى الطريق
شعرت لآول مرة انى حمل ثقيل ، لايمكننى ان اكبل هذه االفراشه الرقيقة بهذا القيد
الحديدى ، وان احرمها سعادتها وابتليها بشخص مثلى ، كل مرة كان يصطحبنى احد
الجيران او المعارف الى الشئون الاجتماعية او الجمعيات الخيرية لآتسلم مايجودون به
كنت اعود سعيداً بما احرزت من نقود او هدايا عينيه ، الا هذه المرة لم اشعرالا
بالحرج والخجل من نفسى ، كيف وانا لم اذهب لإستلام النقود ؟ لآنى فى هذه المرة
ذهبت بصحبة من احب وبدلاً من ان احملها على الفرس الابيض واقدم لها الورود دفعتنى
هى الى داخل العربة ، الحمد لله لآنها لم تتكلف ثمن تذكرة المترو اوالاتوبيس فقد
طالبت بحقى فى الاعفاء من هذا وذاك فأنا بكل فخر كفيف لاادفع رسوم الركوب فى وسائل
النقل العام.
اجلستنى فى مقاعد المكفوفين وجلست هى فى مقعد اخر بعيد
" ليتها جلست بجوارى " هذا مادار فى داخلى ، حاولت ان اتحسس يداها
والمسها ولكنها ابتعدت لو كانت تبادلنى ما اشعر به لآقتربت ، يبدو ان الطريق طويل
حتى احقق ما اريد ، تعمدت ان اطلب منها هى بالذات ان تشاركنى خطواتى ونجاحى ، لكى
اخبرها بأنى قررت ان اتعلم لآجلها ، وان اجعلها تلاحظ التطور الذى طرأ علىٍ ولكن يبدو
اننى كنت مخطئاً فالرسالة لم تصل كما
تمنيت ، فبرغم انى شعرت بالحب لآول مرة
الا اننى ادركت بعد سنوات انها كانت منحة جادت على بها الحياة ، لتنقلنى من حال
الى حال افضل
كانت السبب فى معرفتى لغة برايل ، تلك الشفرة التى امر نابليون شخص يدعى " تشارلز باربييه " بإختراعها واستخدمها من قبل الجنود الفرنسيين بهدف التواصل ليلا اثناء الحرب واستقبال التعليمات بدون الحاجة الى اضاءة الانوار ، ثم طورها برايل حيث جعلهـــا اكثــر بساطة لتناسب المكفوفين فهى تعتمد على حاسة اللمس ، سمعت المعلم يسرد هذه القصـــة فعجبت ، وتسألت هل يمكن ان يكون لدينا القدرة على الرؤية ونحرم انفسنا منها وهل نحن بحاجة لإقامة الحروب ؟ غريب امر هذه الحياة ، نعم : نغمض اعيننا احياناً لنتجاهل الاساءة ونشن الحروب للدفاع عن انفسنا ، هكذا أحيانا نكون مجبرين على خوض الحروب وفقد الارواح .
فهمت عدم اكتراثها بتعليمى ولكنى ظللت لفترة اطلب منها
ان تصاحبنى الى المعلم ذاته حتى شعرت ذات مرة انها بدأت تضيق من طول الرحلة ومنى ،
بعدها ظللت الح عليها لكى ترافقنى فى رحلة الذهاب الى المعلم كى انعم بالقرب منها
لآطول فترة ممكنة ، الى ان بدأت تختلق الحجج والاكاذيب لتفلت من قبضتى وتهرب.
اصبحت الرحله اكثر تعقيداً وبدأت لا اركز فى الدروس ولكن
المعلم لاحظ ذلك وبدأ يحفزنى فعرض على عمل فى شركة يملكها احد اصدقائه.
ولكن ماهو العمل الذى يناسب مثلى ؟ فأنا لا زلت احتاج
الى الكثير من الدروس كى اتقفن طريقة برايل وحتى بعد اتقانها فلن استطيع استخدام
ذلك الا عند القراءة فقط ، يبدو اننى بحاجة للمزيد من العلم.
ما احلى العلم ففى العمل عند والد هبة كنت ارد على
التليفون وانادى على العمال ليردوا على المشترين ويستقبلون الاوردرات ، فلم يكن
بأمكانى الكتابة ، اما الان وها انا ذا قد تعلمت كتابة الارقام من 1 الى 10 وعدد لابأس
به من الحروف فيمكننى ان اكتب رقم تليفون المتصل واول حرف من اسمه وعلى ان احفظ
باقى الاسم ، يبدو ان طريقة برايل قد بدأت تؤثر فى حياتى وتتسرب الى داخلى .
اما خالد زميلى فى المطعم الذى اعمل به فقد علمنى ايضاً
كيف اقشر البطاطس دون ان اجرح يدى بواسطة اداة تقشير أمنه .
الان
اصبحت كفء لآن ارتبط بفتاه والدها صاحب مصنع ملابس ......لا لا......مازلت ينقصنى
بعض التفاصيل فى الشكل والمظهر واهم شئ الثقة بالنفس.
تعليقات
إرسال تعليق